قوله : (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا ، وإن جاروا ، ولا ندعوا عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ، ما لم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة). شرح [ ابن أبي العز ] : قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني» . وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف ». وعند البخاري : «ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة» . وفي الصحيحين أيضاً : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ، إلا أن يؤمر بمعصية ، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . وعن حذيفة بن اليمان قال : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر ، مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : «نعم» ، فقلت : هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال : «نعم ، وفيه دخن» ، قلت : وما دخنه ؟ قال : «قوم يسنون بغير سنتي ، ويهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر» ، فقلت : هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال : «نعم ، دعاة على أبواب جهنم . من أجابهم إليها قذفوه فيها» ، فقلت : يا رسول الله ، صفهم لنا ؟ قال : «نعم ، قوم من جلدتنا ، يتكلمون بألستنا» ، قلت : يا رسول الله ، فما ترى إذا أدركني ذلك ؟ قال : «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» ، فقلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : «فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض على أصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» . وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات ، فميتته جاهلية» . وفي رواية : «فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما» . وعن عوف بن مالك رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» ، فقلنا : يا رسول الله ، أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك ؟ قال : «لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، ألا من ولي عليه وال ، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله ، فليكره ما يأتي من معصية الله ، ولا ينزعن يداً من طاعته» . فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر ، ما لم يأمروا بمعصية ، فتأمل قوله تعالى : {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} - كيف قال : "وأطيعوا الرسول" ، ولم يقل : وأطيعوا أولي الأمر منكم ؟ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة ، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله . وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر بغير طاعة الله ، بل هو معصوم في ذلك ، وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله ، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله . وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا ، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جَورهم ، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور ، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا ، والجزاء من جنس العمل ، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل . قال تعالى : {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} . وقال تعالى : {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وقال تعالى : {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} . وقال تعالى : {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} . فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم ، فليتركوا الظلم .